Call us now:

تعارض المصالح في عقود المشتريات الحكومية من أكثر موضوعات الامتثال حساسية؛ لأن القرار الشرائي يجب أن يخدم المصلحة العامة لا المصلحة الخاصة لموظف أو متنافس أو وسيط أو طرف مرتبط. وقد خصص الإطار السعودي لهذا الملف قواعد مستقلة إلى جانب نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية، فأصدرت لائحة تنظيم تعارض المصالح في تطبيق النظام ولائحته التنفيذية بقرار مجلس الوزراء رقم (537) وتاريخ 21/8/1441هـ.
الفكرة الأساسية أن وجود مصلحة شخصية لا يعني تلقائياً ثبوت فساد أو جريمة، لكنه يخلق خطراً على الحياد يستوجب الكشف والإدارة. قد يكون التعارض فعلياً، أو محتملاً، أو ظاهراً للغير بصورة تضع الثقة في القرار محل سؤال. لذلك لا تقتصر الوقاية على منع الرشوة، بل تبدأ من الإفصاح والامتناع عن المشاركة وتوثيق القرار وفصل الأدوار.
ويرتبط هذا الموضوع بأدلة موجودة على الموقع مثل إعداد لائحة تعارض المصالح في الشركات وأهداف الحوكمة في القطاع العام السعودي ومصفوفة الصلاحيات. إلا أن عقود المشتريات الحكومية لها إطار خاص يجب الرجوع إليه مباشرة وعدم الاكتفاء بسياسة شركة خاصة.
ما هو تعارض المصالح في المشتريات الحكومية؟
تعرّف اللائحة الموظف بصورة واسعة لتشمل من يعمل في الجهة الحكومية أو يتعاقد أو يتعاون معها ويشارك في إجراءات المنافسات والمشتريات أو يكون له تأثير مباشر أو غير مباشر عليها. وينشأ التعارض عندما تتقاطع مصلحة خاصة مع الواجب المتعلق بالمنافسة أو العقد بحيث يمكن أن تؤثر في الحياد أو يظهر أنها تؤثر فيه.
وقد تكون المصلحة مالية، كملكية أسهم أو حصة في شركة متنافسة، أو شخصية، كعلاقة قرابة أو شراكة أو مصلحة مع مورد، أو مهنية، كوجود عمل سابق أو مستقبلي يخلق ولاءً مزدوجاً. والأهم هو تحليل أثر المصلحة على القرار لا الاكتفاء بشكلها.
الإطار النظامي الذي يحكم التعارض
ينطلق الإطار من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية واللائحة التنفيذية، ثم تأتي لائحة تنظيم تعارض المصالح لتضع قواعد أكثر تخصيصاً، إلى جانب لائحة سلوكيات وأخلاقيات القائمين على تطبيق النظام. كما تدرج نماذج العقود ووثائق المنافسات الحكومية بنوداً تلزم المتعاقدين ومنسوبيهم والمتعاقدين من الباطن بتجنب التعارض والإفصاح كتابة عن الحالات التي تنشأ.
ولا ينبغي قراءة هذه اللوائح بمعزل عن الأنظمة الأخرى. فقد تتقاطع الوقائع في حالات معينة مع قواعد مكافحة الرشوة أو إساءة استعمال السلطة أو حماية المعلومات أو المسؤولية التأديبية أو التعاقدية. لذلك فإن وصف الحالة يبدأ من الوقائع الدقيقة: من صاحب المصلحة؟ ما دوره؟ متى علم بها؟ هل أفصح؟ هل شارك في القرار؟ وهل ترتب أثر على المنافسة أو العقد؟

من هم الأشخاص الأكثر عرضة للتعارض؟
تزداد المخاطر لدى من يضع المواصفات، أو يقدر التكلفة، أو يشارك في التأهيل، أو يتسلم العروض، أو يحللها فنياً أو مالياً، أو يشارك في التوصية والترسية، أو يدير العقد بعد التوقيع. كما قد يظهر التعارض لدى استشاري خارجي أعد المواصفات ثم كانت له علاقة بمتنافس، أو لدى خبير يقيّم حلاً يملكه شريك سابق، أو موظف يملك قريب له شركة موردة.
وعلى جانب المتنافس، تمتد المسؤولية الوقائية إلى العاملين والمتعاقدين من الباطن ومن لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتنفيذ نطاق العقد. ولذلك يجب على المورد أن يعرف علاقات فريقه ولا يفترض أن واجب الإفصاح يخص الجهة الحكومية وحدها.
أمثلة عملية على تعارض المصالح
- عضو في لجنة تقييم تربطه قرابة أو مصلحة مالية بأحد المتنافسين.
- موظف شارك في إعداد نطاق العمل ثم حصل على عرض وظيفي من شركة مشاركة في المنافسة.
- مستشار خارجي يوصي بحل أو منتج لشركة يملك فيها حصة أو يتلقى منها أتعاباً.
- موظف يستخدم معلومات غير متاحة لبقية المتنافسين لمساعدة طرف معين.
- مورد يقدم هدية أو منفعة لمن له تأثير في التقييم أو الاستلام أو اعتماد الدفعات.
- شركة متنافسة تستعين من الباطن بطرف مرتبط بعضو في فريق الشراء من دون إفصاح.
هذه أمثلة توضيحية، ولا يعني تحقق المثال وحده أن النتيجة القانونية واحدة في كل حالة. الفحص النظامي يتطلب معرفة درجة المصلحة، والسلطة الفعلية للشخص، والإجراء الذي اتخذه، ومدى الإفصاح، وأثره على النزاهة والمساواة بين المتنافسين.
مراحل المشتريات التي يظهر فيها التعارض
مرحلة التخطيط: قد يظهر التعارض عند اختيار نوع المنافسة أو تحديد الاحتياج بطريقة تحابي منتجاً أو مورداً محدداً. مرحلة إعداد المواصفات: الخطر هنا في صياغة شروط لا تستند إلى الحاجة الفعلية وإنما توجّه المنافسة. مرحلة التأهيل والتقييم: تتطلب الحياد بين العروض وعدم مشاركة صاحب المصلحة. مرحلة الترسية: يجب أن يكون القرار قابلاً لإعادة البناء من خلال المحاضر والمبررات. مرحلة تنفيذ العقد: تستمر مخاطر التعارض عند اعتماد التغييرات والمطالبات والمدفوعات والاستلام.
لذلك لا تكفي استبانة تعارض مصالح تُوقع مرة واحدة في بداية السنة. يجب تجديد التقييم عند تغير المشاركين أو ظهور مورد جديد أو انتقال شخص إلى دور مختلف أو نشوء علاقة لم تكن موجودة وقت الإفصاح الأول.
واجب الإفصاح الكتابي
الإفصاح هو أهم وسائل الوقاية. يجب أن يكون واضحاً ومحدداً، فيبيّن طبيعة العلاقة أو المصلحة والطرف المرتبط وتاريخ نشوئها ومدى اتصالها بالمنافسة أو العقد. والعبارات العامة مثل «قد توجد علاقة» لا تساعد الجهة على تقييم الخطر. كما يجب ألا ينتظر الشخص حتى صدور قرار الترسية إذا كان يعلم بالحالة قبل ذلك.
ويجب حفظ الإفصاح ضمن سجل يمكن الرجوع إليه، مع توثيق الإجراء الذي اتخذ بشأنه: هل تم استبعاد الشخص من التقييم؟ هل نُقلت صلاحية معينة؟ هل استلزم الأمر استشارة قانونية أو إعادة تشكيل لجنة؟ هذا التوثيق يحمي نزاهة القرار ويوضح أن التعارض أُدير ولم يُخفَ.
الامتناع عن المشاركة وفصل الأدوار
الإفصاح لا يعني دائماً أن الشخص يستطيع الاستمرار في جميع مراحل القرار. ففي الحالات التي تهدد الحياد، يكون من أدوات المعالجة الامتناع عن المشاركة في النقاش أو التقييم أو الاعتماد المتعلق بالمصلحة. كما يفيد فصل الواجبات بحيث لا يضع شخص واحد المواصفات ويقيّم العرض ويعتمد الاستلام والدفع في العملية ذاتها.
وتخدم مصفوفة الصلاحيات هذا الهدف عندما تحدد من يطلب ومن يراجع ومن يعتمد ومن يراقب، مع وضع بديل واضح عند تنحي صاحب الصلاحية بسبب التعارض. الغرض ليس تعطيل المشتريات، بل ضمان استمرارها بمسار محايد وقابل للتدقيق.
دور منصة اعتماد والشفافية الإلكترونية
تسهم منصة اعتماد في أتمتة جانب كبير من إجراءات المنافسات والمشتريات وتوحيدها، وهو ما يدعم التتبع والشفافية والرقابة. لكن التقنية لا تلغي التعارض البشري. يمكن لشخص أن يؤثر في صياغة مواصفة أو تقييم فني حتى لو كانت العروض تُقدّم إلكترونياً، ولذلك تظل سياسات الإفصاح والسجلات والتدقيق ضرورية.
المنظومة الأقوى تجمع بين المسار الإلكتروني والضوابط المؤسسية: صلاحيات مستخدمين محددة، تسجيل للعمليات، فصل بين الأدوار، توثيق الاجتماعات، واختبارات دورية للعينات عالية المخاطر.
التزامات المتنافس والمتعاقد
نماذج العقود الحكومية تضع على المتعاقد التزاماً بتجنب تعارض مصلحته الخاصة مع مصالح الجهة الحكومية، وإبلاغها والإفصاح كتابة عن أي حالة تعارض أو مصلحة خاصة تنشأ أو قد تنشأ عن تعامل مرتبط بأنشطتها. كما يمتد الالتزام إلى منسوبي المتعاقد والمتعاقدين من الباطن والعلاقات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالتنفيذ.
لذلك يحتاج المورد المحترف إلى سياسة داخلية للمناقصات الحكومية، تشمل فحص علاقات فريق المبيعات والمشروع، وسجل الهدايا والضيافة، وضوابط التواصل مع موظفي الجهات، وحظر استخدام المعلومات غير العامة، ومراجعة المتعاقدين من الباطن قبل إدخالهم في العقد.
الهدايا والضيافة والمنافع
قد تتحول هدية صغيرة إلى مؤشر خطر إذا قُدمت لمن يشارك في قرار حكومي حساس. والقاعدة الوقائية هي تجنب أي منفعة يمكن أن تُفهم على أنها تهدف للتأثير في القرار أو الحصول على معاملة تفضيلية. وتزداد الحساسية في فترات التأهيل والتقييم والترسية والاستلام وإقرار المطالبات.
ويُفضل أن تكون للجهة والمورد قواعد مكتوبة تحدد ما يُمنع وما يستلزم الإفصاح وكيف يتم التعامل مع الحالات البروتوكولية، مع تدريب الفرق وعدم ترك التقدير لكل موظف بصورة منفردة.

ماذا يحدث إذا اكتُشف التعارض بعد الترسية؟
لا توجد إجابة واحدة لكل الحالات. يجب أولاً حفظ الأدلة والوثائق، وتحديد زمن نشوء المصلحة، ومن كان يعلم بها، ومدى مشاركة الشخص في القرار، وتأثير ذلك على المنافسة أو التنفيذ. ثم تطبق الجهة ما تقرره الأنظمة واللوائح والعقد وسياساتها من إجراءات، وقد يتطلب الأمر تحقيقاً إدارياً أو تعاقدياً أو إحالة بحسب طبيعة المخالفة.
ومن الخطأ القفز مباشرة إلى نتيجة مثل بطلان العقد أو استبعاد المتعاقد في كل حالة؛ فالآثار تختلف حسب النص والوقائع والسلطة المختصة. ولهذا ينبغي إجراء مراجعة قانونية موثقة قبل اتخاذ قرار قد يمس مركز المتنافس أو العقد أو المال العام.
العلاقة بين تعارض المصالح والرشوة
التعارض والرشوة مفهومان مختلفان. قد يوجد تعارض مصالح من غير تقديم أي مقابل، كما قد تقع رشوة في سياق لا يظهر فيه تعارض سابق. لكن إخفاء المصلحة وقبول المنافع أو توجيه القرار قد يرفع مستوى الخطورة ويستدعي مراجعة أنظمة أخرى. إدارة التعارض مبكراً وسيلة وقائية تقلل فرص تحوله إلى سلوك أشد خطورة.
نموذج عملي لسياسة داخل الجهة الحكومية
- تعريف واضح للتعارض الفعلي والمحتمل والمتصور.
- تحديد جميع الوظائف واللجان والمستشارين الخاضعين للسياسة.
- إقرار سنوي وإفصاح عند كل منافسة عالية المخاطر.
- سجل مركزي للمصالح والهدايا والعلاقات ذات الصلة.
- آلية تنحٍ وتعيين بديل دون تعطيل الإجراءات.
- فصل الواجبات والصلاحيات في مراحل الطلب والتقييم والاستلام والدفع.
- تدقيق عينات دورية ومراجعة الاستثناءات والتعاقدات المباشرة.
- قناة استفسار وإبلاغ تحفظ السرية وفق التنظيم.
نموذج عملي للمورد أو المتنافس
قبل دخول المنافسة، يفحص المورد أعضاء فريق العرض والمشروع والمستشارين والمتعاقدين من الباطن بحثاً عن علاقات قد تستوجب الإفصاح. وخلال المنافسة يُوثق التواصل الرسمي ويتجنب أي قناة غير معتمدة للحصول على معلومات أو تأثير. وبعد الترسية تستمر المراجعة عند تغيير الفريق أو إضافة متعاقد من الباطن أو ظهور علاقة جديدة.
وجود هذه الضوابط لا يحمي الشركة قانونياً فقط؛ بل يحسن قدرتها على المنافسة والاستمرار في سوق العقود الحكومية. ويمكن مراجعة دليل لائحة تعارض المصالح ثم تكييفه مع المتطلبات الخاصة بالمنافسات الحكومية.
متى تحتاج إلى مراجعة قانونية متخصصة؟
تحتاجها عندما يكون صاحب المصلحة عضواً في لجنة أو صاحب صلاحية عالية، أو تكون العلاقة غير مباشرة ومعقدة، أو اكتُشف التعارض بعد الترسية، أو نشأ اعتراض من متنافس، أو كانت المعاملة مرتبطة بقرابة أو منفعة مالية أو شركة تابعة، أو تتقاطع الوقائع مع شبهة رشوة أو تسريب معلومات. في هذه الحالات يفيد اللجوء إلى محامي قضايا إدارية لفحص النظام والعقد والإجراءات والجهة المختصة.
مصادر رسمية
- نظام المنافسات والمشتريات الحكومية.
- لائحة تنظيم تعارض المصالح في تطبيق النظام ولائحته التنفيذية.
- منصة اعتماد – حول منظومة المنافسات والمشتريات.
أسئلة شائعة
هل وجود قرابة مع أحد المتنافسين يعني تلقائياً فساد القرار؟
لا، لكنه قد يمثل تعارض مصالح يحتاج إلى الإفصاح والتقييم واتخاذ الإجراء الوقائي المناسب وفق اللائحة والسياسة المعتمدة.
هل يقتصر واجب التعارض على موظفي الجهة الحكومية؟
لا، يمتد الإطار إلى المتعاملين والمتعاقدين ومنسوبيهم والمتعاقدين من الباطن بحسب صلتهم بالمنافسة أو العقد.
هل الإفصاح يكفي دائماً؟
ليس بالضرورة؛ قد تستلزم الحالة الامتناع عن المشاركة أو نقل صلاحية أو اتخاذ تدبير آخر يضمن الحياد.
هل منصة اعتماد تمنع جميع حالات التعارض؟
المنصة تعزز التتبع والشفافية، لكنها لا تستبدل الإفصاح وفصل الأدوار والرقابة على القرارات البشرية.
تنبيه: هذا المحتوى معلومات عامة ولا يغني عن دراسة الواقعة والوثائق من محامٍ مرخص أو الجهة القانونية المختصة.



