Call us now:

دليل الشركة غير الربحية يشرح أحد أهم الأشكال التي نظمها نظام الشركات السعودي الحديث لتمكين المبادرات ذات الأثر الاجتماعي والمؤسسي من العمل من خلال كيان شركة مع المحافظة على الطبيعة غير الربحية. فالشركة غير الربحية تستطيع ممارسة نشاط مشروع وتحصيل عوائد، لكنها تختلف عن الشركة التجارية التقليدية في وجهة استخدام الأرباح، وفي أهدافها، وفي بعض أحكام العضوية والحوكمة والتصفية.
نظم نظام الشركات السعودي الشركة غير الربحية في الباب السابع، وميز بين الشركة غير الربحية العامة والشركة غير الربحية الخاصة. كما تعرض وزارة التجارة ضمن مواد نظام الشركات الجديد الأحكام والإجراءات المرتبطة بها، وتوفر نماذج تأسيس ونظم أساس عبر نماذج الخدمات.
ما هي الشركة غير الربحية؟
الشركة غير الربحية هي شركة لا يكون الغرض من أرباحها توزيعها على الملاك بالطريقة المعتادة في الشركات الربحية، وإنما توجه الأرباح إلى المصارف والمجالات غير الربحية المحددة في عقد التأسيس أو النظام الأساس وفق نوع الشركة. ويمكن للشركة أن تحصل على عوائد نقدية أو عينية مقابل أعمالها ومنتجاتها وخدماتها، وأن تمارس نشاطًا مشروعًا يحقق أرباحًا، لكن طريقة استخدام تلك الأرباح تخضع لطبيعتها غير الربحية.
هذا النموذج يتيح الجمع بين الانضباط المؤسسي للشركات وبين تحقيق أهداف اجتماعية أو تعليمية أو صحية أو ثقافية أو تقنية أو غيرها من مجالات النفع العام أو الأغراض غير الربحية. وقد أوضحت وزارة التجارة في موادها الحديثة عددًا واسعًا من المصارف والمجالات التي يمكن أن تخدمها الشركات غير الربحية.
الفرق بين الشركة غير الربحية العامة والخاصة
الشركة غير الربحية العامة لا تتخذ -بحسب النظام- إلا شكل شركة المساهمة، وتوجه أرباحها إلى المصارف والمجالات غير الربحية العامة التي تهدف إلى خدمة المجتمع بعمومه. أما الشركة غير الربحية الخاصة فيجوز أن تتخذ شكل الشركة ذات المسؤولية المحدودة أو شركة المساهمة أو شركة المساهمة المبسطة، وتوجه أرباحها إلى المصارف والمجالات غير الربحية المحددة في وثائقها.
كما يحظر على الشركة غير الربحية طرح أسهمها للاكتتاب العام. وتسري عليها -فيما لم يرد فيه نص خاص- الأحكام المتعلقة بالشكل النظامي الذي اتخذته، بما لا يتعارض مع طبيعتها غير الربحية. هذه القاعدة مهمة لأنها تعني أن فهم الشركة غير الربحية يتطلب قراءة الباب الخاص بها مع أحكام المساهمة أو ذات المسؤولية المحدودة أو المساهمة المبسطة بحسب الحالة.

مصارف الشركة ومجالاتها
يشترط عند تأسيس الشركة غير الربحية العامة النص في نظامها الأساس على المصارف والمجالات غير الربحية العامة. أما الخاصة فيجوز أن يحدد عقد تأسيسها أو نظامها الأساس المصارف والمجالات غير الربحية التي تعمل لأجلها. وقد بينت وزارة التجارة مجالات متعددة، مثل التعليم والتدريب والأبحاث، والصحة، وبرامج الأسرة والطفولة، والتأهيل، والثقافة والفنون، والتراث والسياحة، والأنشطة الرياضية، وتقنية المعلومات والبيانات والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، وغيرها.
من هنا تظهر أهمية صياغة الغرض بدقة. فالعبارات العامة جدًا قد تخلق صعوبة عند إدارة الإنفاق أو قياس الأثر، بينما الصياغة الضيقة جدًا قد تعرقل توسع الشركة لاحقًا. الأفضل هو تصميم غرض ومصارف تجمع بين الوضوح والمرونة المنضبطة.
هل يجوز للشركة غير الربحية تحقيق إيرادات وأرباح؟
نعم. عدم الربحية لا يعني عدم وجود إيراد أو فائض. يسمح النظام للشركة بالحصول على مقابل لأعمالها وخدماتها ومنتجاتها، وممارسة نشاط مشروع يمكنها من تحقيق أرباح. الفرق الجوهري هو أن الأرباح تنفق في المصارف والمجالات المنصوص عليها في وثائق الشركة، ويجوز تخصيص جزء منها لتنمية الاستثمارات والتوسع وفق ما تحدده اللوائح.
كما يحظر في الأصل توزيع الأرباح على أعضاء الشركة أو المديرين أو أعضاء مجلس الإدارة أو العاملين لمجرد صفتهم، مع السماح بالمكافآت أو المزايا المعقولة مقابل الخدمات والأعمال المقدمة للشركة، وفق الأحكام المنظمة. وهذا يفرض على الإدارة نظامًا ماليًا واضحًا يميز بين الأجر أو المكافأة المشروعة وبين توزيع الأرباح المخالف لطبيعة الشركة.
العضوية والرقابة
يكون الشريك أو المساهم في الشركة غير الربحية عضوًا فيها. ويمكن لوثائق الشركة تحديد فئات وشروط وأحكام العضوية، وصلاحيات كل فئة، والموضوعات التي تحتاج موافقة جمعية خاصة بالأعضاء، والنصاب المطلوب. ومن المهم أن تشمل الحوكمة حق الرقابة على المدير أو مجلس الإدارة والتحقق من إنفاق الأرباح على الأهداف المحددة.
هذه المرونة تجعل إعداد النظام الأساس أو عقد التأسيس مرحلة مركزية في نجاح الشركة. وينبغي فيه تحديد طريقة الانضمام والخروج، والتصويت، وتعارض المصالح، وسلطة المجلس أو المدير، وآليات الرقابة الداخلية. ويمكن الاستفادة من الأنظمة واللوائح اللازمة للحوكمة وحوكمة اللجان عند بناء هذا الإطار.
حوكمة الشركة غير الربحية
الحوكمة في الشركة غير الربحية أكثر حساسية لأن الشركة تدير أموالًا مخصصة لأهداف غير ربحية. ومن ثم ينبغي أن يكون الإنفاق قابلًا للتتبع، وأن تتوافر سياسات للمشتريات والتبرعات والمكافآت وتعارض المصالح والتعاقدات، وأن تكون التقارير المالية واضحة. كما يجب تحديد مؤشرات للأثر، لا المؤشرات المالية فقط.
وتحتاج الإدارة إلى الفصل بين من يعتمد الصرف ومن ينفذه ومن يراجعه. كما يجب على المجلس أو المديرين متابعة الانحراف عن الأهداف غير الربحية والتأكد من أن الأنشطة التجارية -إن وجدت- تخدم الغرض ولا تحوله عمليًا إلى غرض ربحي مقنع.

خطوات تأسيس الشركة غير الربحية
تبدأ الخطوات بتحديد طبيعة الغرض والمصارف غير الربحية، ثم تحديد ما إذا كانت الشركة عامة أم خاصة، واختيار الشكل النظامي المسموح به. بعد ذلك تُعد وثائق التأسيس بما يشمل الغرض، والعضوية، والإدارة، والصلاحيات، وآليات الرقابة والتصرف في الأرباح والأصول. ويجب كذلك مراجعة التراخيص المرتبطة بالنشاط نفسه إذا كان من الأنشطة المنظمة.
من الأفضل قبل التسجيل إعداد تصور مالي وتشغيلي يوضح مصادر الإيراد، وسياسة الصرف، واحتياجات التوظيف، ونظام التقارير، وكيف ستقاس النتائج الاجتماعية أو غير الربحية. هذا يقلل احتمالات أن تتأسس الشركة قانونيًا ثم تتعثر لأنها لم تبن نموذج تشغيل مناسب.
تحول الشركات إلى شركة غير ربحية والعكس
يجيز النظام تحول أي شركة إلى شركة غير ربحية عامة أو خاصة بإجماع الشركاء أو المساهمين. كما يجيز تحول الشركة غير الربحية الخاصة -دون العامة- إلى شكل آخر من الشركات وفق الضوابط، مع مراعاة مصير ما زاد على رأس المال من أرباح أو احتياطيات أو هبات والإعفاءات التي سبق الحصول عليها. وهذا يبين أن اختيار الشكل قابل للتطور، لكنه ليس إجراءً بسيطًا ينبغي اتخاذه دون دراسة مالية وقانونية.
ماذا يحدث للأصول عند التصفية؟
يقرر النظام أن صافي أصول الشركة غير الربحية عند التصفية يؤول إلى الأشخاص أو الكيانات غير الربحية المحددة في عقد التأسيس أو النظام الأساس. وإذا كانت أصول معينة ناشئة عن هبة أو وصية أو وقف، فيراعى ما حدده الواهب أو الموصي أو الواقف. وتظهر هنا أهمية التخطيط المسبق للأصول والتمويل وعدم ترك مصيرها غامضًا.
الإعفاءات والالتزامات المالية
أجاز النظام وضع ضوابط لعدم خضوع الشركات غير الربحية لأحكام جباية الزكاة وإعفائها من الضرائب وحسم التبرعات المقدمة إليها عند تحديد الوعاء الضريبي للمكلف، وفق التنظيم والضوابط ذات الصلة. لكن لا ينبغي افتراض الإعفاء تلقائيًا في كل حالة؛ فالمعالجة الصحيحة تتطلب التحقق من الشروط والإجراءات المطبقة على الشركة ونشاطها.
أخطاء ينبغي تجنبها
من أبرز الأخطاء تأسيس الشركة بغرض مبهم، أو خلط أموالها بأموال المؤسسين، أو صرف مبالغ خارج المصارف، أو دفع مكافآت غير مبررة، أو ضعف توثيق اجتماعات المجلس والقرارات، أو إهمال قياس الأثر، أو التوسع في نشاط تجاري لا توجد صلة واضحة بينه وبين الهدف غير الربحي. كما أن الاعتماد على الثقة الشخصية من غير حوكمة يخلق مخاطر كبيرة مع نمو المنظمة.
ويفيد في هذا الجانب الرجوع إلى آليات الحوكمة الداخلية والخارجية وتوفيق الأوضاع وضمان الامتثال لضبط البنية الإدارية والرقابية.
خلاصة
الشركة غير الربحية في النظام السعودي توفر أداة مرنة لبناء مشاريع مؤسسية ذات أثر مستدام، لكنها تحتاج إلى صياغة دقيقة للغرض والمصارف، واختيار الشكل المناسب، وحوكمة صارمة للإنفاق والعضوية والرقابة. نجاحها لا يقاس فقط بحجم الإيرادات، بل بقدرتها على توجيه الموارد إلى الأهداف المقررة بصورة شفافة وقابلة للقياس.
الأسئلة الشائعة
هل الشركة غير الربحية ممنوعة من تحقيق أرباح؟
لا؛ يمكنها تحقيق عوائد وأرباح من نشاط مشروع، لكن الأرباح توجه إلى المصارف والمجالات غير الربحية وفق النظام ووثائق الشركة.
ما الشكل النظامي للشركة غير الربحية العامة؟
تتخذ شكل شركة المساهمة فقط، بينما توجد خيارات أوسع للشركة غير الربحية الخاصة.
هل يمكن طرح أسهم الشركة غير الربحية للاكتتاب العام؟
لا، يحظر النظام على الشركة غير الربحية طرح أسهمها للاكتتاب العام.
قائمة فحص عملية للشركة
قبل إغلاق المراجعة الدورية، من المفيد أن تتحقق الشركة من تحديث عقد التأسيس أو النظام الأساس، وصحة التفويضات، واكتمال محاضر الاجتماعات، وسلامة القوائم والتقارير، ووجود سجل للمصالح والتعاملات ذات العلاقة، ومراجعة العقود الجوهرية، وحالة التراخيص، ومواعيد الإيداعات النظامية. ويجب أن تكون لكل ملاحظة جهة مسؤولة وتاريخ إغلاق ودليل على المعالجة.
دور الإدارة القانونية والامتثال
تضيف الإدارة القانونية قيمة عندما تنتقل من رد الفعل إلى الوقاية؛ فتشارك في تصميم السياسات، وتراجع القرارات الحساسة، وتفسر أثر المتطلبات النظامية، وتنسق مع المالية والمراجعة والمخاطر. أما وظيفة الامتثال فتتابع التنفيذ المستمر وتبني سجلات الالتزام وتراقب التحديثات. التكامل بين الوظيفتين يقلل التكرار ويرفع جودة التصعيد إلى الإدارة العليا والمجلس.
التوثيق كوسيلة للحماية
لا تكفي الممارسة الصحيحة إذا تعذر إثباتها. لذلك ينبغي الاحتفاظ بالمحاضر والموافقات والإفصاحات والمراسلات والتقارير بصورة منظمة، وربط كل قرار بالمستندات التي بُني عليها. التوثيق لا يعني زيادة البيروقراطية؛ بل بناء ذاكرة مؤسسية تسهل المراجعة وتحمي الشركة عند النزاع أو التفتيش أو دخول مستثمر جديد.






